الراغب الأصفهاني

399

الذريعة إلى مكارم الشريعة

يكون فيه وكيلا للّه تعالى فيقتصر منها لنفسه على تناول بلغته ، ويجعل الباقي مصروفا إلى ما دعى إليه ، فهذا أفضل ممن تقدم ذكره ، فإنه يصير بذلك من خلفاء اللّه عز وجل . فمن تناول الدنيا على أحد هذين الوجهين فقد ارتسم للّه عز وجل في قوله تعالى : وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ « 1 » الآية . وبالاعتبار بمثلهم قال تعالى : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ « 2 » الآية ، وقال : وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ « 3 » ، فجعلها لهم إرثا ثم قال : إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ « 4 » أي من تحرى في تناول الدنيا عبادة اللّه فإنه يبلغ بذلك مقصوده المذكور في قوله : وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى « 5 » ، وقال : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ « 6 » . والفضل هو الإحسان ، فنبه بذلك أن تناول المال إذا تحرى به الوجه الذي يجب كما يجب فهو فضل وإحسان يستحق به الثواب . وعلى ذلك قوله : وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ « 7 » وقال في مدح قوم يتناولون الدنيا كما يجب

--> ( 1 ) القصص / 77 . ( 2 ) الأعراف / 32 . ( 3 ) الأنبياء / 105 . ( 4 ) الأنبياء / 106 . ( 5 ) النجم / 42 . ( 6 ) البقرة / 198 . ( 7 ) النساء / 32 .